عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

247

اللباب في علوم الكتاب

حال ، والعامل فيها اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل ، وهي حال منه ليتّحد ذو الحال وعاملها . وقد قالت العرب : « ها أنت ذا قائما » و « ها أنا ذا قائما » و « ها هوذا قائما » فأخبروا باسم الإشارة عن الضّمير في اللّفظ والمعنى على الإخبار بالحال ، فكأنه قال : « أنت الحاضر » ، « وأنا الحاضر » ، « وهو الحاضر » في هذه الحال . ويدل على أن الجملة من قوله : « تَقْتُلُونَ » حال وقوع الحال الصريحة موقعها كما تقدم في : « ها أنا ذا قائما » ونحوه ، وإلى هذا المعنى نحا الزمخشري فقال : « ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ » استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم ، والمعنى : ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون : يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقربين ، تنزيلا لتغير الصّفة منزلة تغير الذّات كما تقول : رجعت بغير الوجه الذي خرجت به . وقوله : « تَقْتُلُونَ » بيان لقوله : « ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ . » واعترضه أبو حيّان فقال : الظاهر أن المشار إليهم بقوله : « ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ » هم المخاطبون أولا ، فليسوا قوما آخرين ، ألا ترى أن التقدير الذي قدّره الزمخشري من تقدير [ تغير الصّفة منزلة ] « 1 » تغيّر الذات لا يتأتى في نحو : ها أنا ذا قائما ، ولا في نحو : ها أنتم هؤلاء ، بل المخاطب هو المشار إليه من غير تغيّر . وأجيب بأن هذا الإيراد بعيد غير واضح . والثاني : أن « أنتم » أيضا مبتدأ ، و « هؤلاء » خبره ، ولكن بتأويل حذف مضاف تقديره : ثم أنتم مثل هؤلاء ، و « تقتلون » حال أيضا ، العامل فيها معنى التشبيه ، إلا أنه يلزم منه الإشارة إلى غائبين ؛ لأن المراد بهم أسلافهم على هذا ، وقد يقال : إنه نزل الغائب منزلة الحاضر . الثالث : ونقله « ابن عطية » عن شيخه « ابن الباذش » « 2 » أن « أنتم » خبر مقدم ، و « هؤلاء » مبتدأ مؤخر . وهذا فاسد ؛ لأن المبتدأ أو الخبر متى استويا تعريضا وتنكيرا لم يجز تقدم الخبر ، وإن ورد منه ما يوهم فمتأول . الرابع : أن « أنتم » مبتدأ و « هؤلاء » منادى حذف منه حرف النّداء ، وتقتلون خبر المبتدأ ، وفصل بالنداء بين المبتدأ وخبره . وهذا لا يجيزه جمهور البصريين إنما قال به « الفراء » وجماعة ؛ أنشدوا : [ البسيط ]

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري الغرناطي أبو جعفر المعروف بابن الباذش النحوي إمام من أئمة النحو توفي في جمادى الآخرة سنة أربعين وخمسمائة . ينظر بغية الوعاة : 1 / 338 .